ابن عربي

24

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

ترك المشورة إلا استضعاف صاحبك ، وظهور فقرك إليه ، لوجب اطراح ما يفيده من المشورة ، وإلقاء ما يكسبه الامتنان . وقال بعضهم : أمر الحجاج بحضور الشعبيّ ، فجاءه ابن الأشعث قادما ، فلقيه كاتب الحجاج أبو مسلم ، فقال له الشعبيّ : أشر عليّ يا أبا مسلم فأنت أعلم بما هناك ، فقال أبو مسلم : لا أدري بم أشير ، ولكن اعتذر بما قدرت عليه . قال الشعبي : وأشار عليّ بذلك كل من استشرته من أهل ودّي . قال الشعبي : فلما دخلت على الحجاج اعتمدت على ربي الذي بيده تقليب قلوب الملوك ، وعزمت على مخالفة مشورة أصحابي ورأيت واللّه غير الذي قالوا ، وهان عليّ الأمر ، فسلّمت عليه بالأمارة إعطاء لحق المرتبة ، ثم قلت : أصلح اللّه الأمير ، إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم اللّه أنه الحق ، ولك واللّه أن لا أقول في مقامي هذا إلا الحق : قد جهدنا وحرصنا ، فما كنا بالأقوياء الفجرة ، ولا بالأتقياء البررة ، ولقد نصرك اللّه علينا ، وأظفرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا ، وإن عفوت فبحلمك والحجة لك علينا . فقال الحجاج : أنت واللّه أحب إلينا قولا ممن يدخل علينا وسيفه يقطر من دمائنا ، ويقول : واللّه ما فعلت ولا شهدت ، أنت آمن يا شعبي . قال الشعبي : فقلت : أيها الأمير ، اكتحلت واللّه بعدك السهر ، واستحليت الخوف ، وقطعت صالح الإخوان ، ولم أجد من الأمير خلفا ، قال : صدقت وانصرفت ، فنعم المستشار العلم ، ونعم الوزير العقل . وقال بعض الأعزّاء من العقلاء : ما استشرت أحدا إلا كنت عند نفسي ضعيفا ، وكان عندي قويا ، وتصاغرت له ، ودخلته الغيرة ، فإياك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب ، واختلفت عليك المسالك ، وأداك الاستبهام إلى الخطأ الفادح ، فإن صاحبها أبدا جليل في العيون ، مهيب في الصدور ، ولن تزال كذلك ما استغنيت عن ذوي العقول ، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون ، ورجفت بك أركانك ، وتضعضع بنيانك ، وفسد تدبيرك ، واستحقرك الصغير ، واستخف بك الكبير ، وعرفت بالحاجة إليهم . انتهى . ولاية خزاعة الكعبة بعد جرهم روينا من حديث أبي الوليد ، عن جده ، عن سعيد بن سالم ، عن عثمان بن ساج ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، قال : لما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أمورا عظاما ، ونالوا ما لم يكونوا ينالون ، واستخفوا بحرمة الحرم وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها سرا وعلانية ، وكلما عدا سفيه منهم على منكر وجد من أشرافهم من يمنعه ويدفع عنه ، وظلموا من دخلها من غير أهلها ، حتى دخل رجل منهم بامرأة الكعبة ، فيقال فجر بها أو